سيد محمد طنطاوي

404

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

و * ( إِنْ ) * في قوله * ( وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . . ) * مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن . وكاد من أفعال المقاربة . و * ( لَيَفْتِنُونَكَ ) * من الفتنة ، وأصلها الاختبار والامتحان . يقال : فتن الصائغ الذهب ، أي : اختبره ليعرف جيده من خبيثة ، ويقال : فتنت الرجل عن رأيه ، إذا أزلته عما كان عليه ، وهو المراد هنا . والمعنى وإن شأن هؤلاء المشركين ، أنهم قاربوا في ظنهم الباطل ، وزعمهم الكاذب ، أن يخدعوك ويفتنوك - أيها الرسول الكريم - عما أوحينا إليك من هذا القرآن ، لكي تفترى علينا غيره ، وتتقول علينا أقوالا ما أنزل اللَّه بها من سلطان . وقوله : * ( وإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) * بيان لحالهم مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لو أنه أطاعهم فيما اقترحوه عليه . قال الجمل ما ملخصه : « وإذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية . وقوله : * ( لَاتَّخَذُوكَ ) * جواب قسم محذوف تقديره : واللَّه لاتخذوك ، وهو مستقبل في المعنى ، لأن إذا تقتضي الاستقبال ، إذ معناها المجازاة ، وهذا كقوله - تعالى - : ولَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْه مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِه يَكْفُرُونَ أي : ليظلوا « 1 » . والمعنى : لو أنك - أيها الرسول الكريم - وافقتهم على مقترحاتهم الفاسدة لأحبوا ذلك منك ، ولصاروا أصدقاء لك في مستقبل أيامك . وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته ، أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أعرض عن مقترحاتهم ورفضها ، ولم يلتفت إليها ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْه ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَه مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قُلْ لَوْ شاءَ اللَّه ما تَلَوْتُه عَلَيْكُمْ ولا أَدْراكُمْ بِه ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِه أَفَلا تَعْقِلُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) * .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 638 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 421 .